ابن قيم الجوزية
193
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب ، وإن سألت عن فرشها فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب ، وإن سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات وهي الحجال مزررة بأزرار الذهب ، فما لها من فروج ولا خلال . وإن سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر . وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث وثلاثين على صورة آدم عليه السلام أبي البشر * وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين . وأعلى منهما خطاب رب العالمين . وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب إن شاء اللّه مما شاء تسير بهم حيث شاءوا من الجنان . وإن سألت عن حليهم وشارتهم فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان * وإن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون . وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب اللاتي جرى في أعضائهن ماء الشباب فللورد والتفاح ما لبسته الخدود . وللرمان ما تضمنته النهود وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور . وللرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور ، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت ، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت ، إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين ، وإذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين . وإن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين ، يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها صيقلها ، ويرى مخ ساقها من وراء اللحم ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها . لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا ، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلا وتكبيرا وتسبيحا ، ولتزخرف لها ما بين الخافقين ، ولا غمضت عن غيرها كل عين ، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ، ولآمن من على ظهرها باللّه الحي القيوم . ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ، ووصالها أشهى إليه من جميع أمانيها ، لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا وجمالا ، ولا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا ، مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس ، مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس ، لا يفنى شبابها ، ولا تبلى ثيابها . ولا يخلق ثوب جمالها . ولا يمل طيب وصالها . قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمح لأحد سواه . وقصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته وهواه . إن نظر إليها سرته . وأن أمرها بطاعته أطاعته . وإن غاب عنها حفظته . فهو معها في غاية الأماني والأمان . هذا ولم يطمثها قبله أنس ولا جان . كلما